بقلم أ: طلال زمزمي
لما رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يقبّل الحسن بن علي قال: إن لي عشرةً من الولد ما قبّلت منهم أحدًا. فقال النبي ﷺ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ». متفق عليه.
حسب ما ورد، كانت معاملة النبي ﷺ لأحفاده والصغار عمومًا:
• يقبّلهم ويضمّهم.
• يحملهم على كتفيه.
• يداعبهم ويلعب معهم.
• يحملهم أثناء الصلاة أحيانًا.
• يطيل السجود لأجلهم.
• يدعو لهم بالمحبة والبركة.
• يخفف الصلاة عند بكاء الصغير.
رأى ﷺ الحسن والحسين رضي الله عنهما يتعثران في المشي وهما صغيران، فنزل من المنبر أثناء الخطبة، فحملهما ثم أكمل خطبته. رواه أبو داود والترمذي.
ركب الحسن أو الحسين رضي الله عنهما على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فأطال السجود حتى ظن الصحابة أن أمرًا قد حدث. فلما انتهت الصلاة قال: «إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته». رواه أحمد والنسائي.
تأمل: النبي ﷺ في عبادة عظيمة بين يدي الله، ومع ذلك راعى شعور طفل صغير، فلم ينزله بعنف، ولم يقطعه عن لعبه.
حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة:
كان ﷺ يصلي بالناس وهو يحمل حفيدته أمامة بنت أبي العاص، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. رواه البخاري ومسلم.
كيف يُلام الجد والجدة على حب أحفادهم، وهذا فعل رسول الله ﷺ مع أحفاده؟ بل إن بعض الأبناء يصل قوله إلى: (أمي أو أبي يخربان عليّ تربية أبنائي). كيف يُلام من يحب أحفاده ويكره أن يرى ما يسوؤهم؟
فكذلك من الخطأ أن تنهر أو تعاقب أبناءك أمام جدهم أو جدتهم أو أمام أي أحد. هل شق عليك أن تؤخر عقوبة أو لوم أبنائك حتى تخلو بهم في بيتك، وتشرح لهم وتعلمهم؟ هذا إن كنت محقًا. وفي أغلب المواقف تكون لست محقًا، إلا ما رحم الله؛ لأنكم أيها الآباء والأمهات لا تعلمون أبجديات التربية الصحيحة.
تربية الآباء لأبنائنا في الغالب هي تربية بلا علم ولا معرفة من المختصين في التربية المؤهلين. هي تربية أهواء الآباء ورغباتهم: (أنا أبغى ولدي يكون كذا وكذا)، أو: (هكذا رباني والدي)، بصرف النظر عن كون ذلك صحيحًا أو خطأً. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الآباء، بحجة تعليم أولادكم الآداب، أنتم تهدمون إبداعهم وتدمرون نفسياتهم البريئة. تضعونهم تحت مجهر، لو وُضعت أنت أيها الأب أو الأم تحته لكرهت الدنيا بما فيها.
نعم، مطلوب الإرشاد والنصح، لكن مطلوب قبل هذا الرفق واحترام المشاعر، وإن كان مع صغير السن. بل إن صغير السن قد يحتاج إلى الاحترام والرفق أكثر من الكبير؛ لأنه في مرحلة بناء. فإما أن يكون بناءً ضعيفًا هزيلًا محطم الأركان بسبب كثرة اللوم والمراقبة والتهزئة من الآباء بحجة: (أعلم ولدي الأدب).
أنت لا تعلمه الأدب، أنت تعلمه الإجرام والحقد، وتقطع كل حبال المحبة بينك وبينه، وعندها تشتكي: (ولدي ما يسمع كلامي ولا يتبع إرشاداتي).
أنت السبب؛ جعلته يكره رؤيتك، ولا يطيق سماع صوتك، بل يتمنى موتك. سلمنا الله جميعًا.
والله لو أحبك ولدك لبادر بالسماع منك واتبع نصحك.
هل هناك أعظم من الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام؟ الرسول ﷺ يطيل السجود لأن ابنه ارتحله، وبعض الآباء يُسكت ابنه ويحطمه ليلزم الصمت والهدوء، ثم يقول لابنه: (ليش ما تتكلم؟ ما عندك لسان؟).
ومن الذي حطمه وأسكتَه إلا أنت؟ ولماذا؟ بحجة: (أعلم ولدي الأدب).
ومع تعليم الأدب تدمر شخصيته، فينشأ الولد ضعيف الشخصية، محطم النفسية، مترددًا، ينساق مع كل مؤثر بلا تفكير ولا قرار؛ لأنك أيها الأب وأيتها الأم كان تركيزكما على الأدب، وأهملتما إهمالًا شديدًا قوة الشخصية.
فأصبح الولد ضعيفًا في كل شيء، حتى في دراسته وتحصيله العلمي. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الطفل الذي يجد الحنان والاهتمام والاحتواء في بيته يكون أقرب إلى الاستجابة لوالديه واحترامهما والاقتداء بهما.
ولا يعني ذلك ترك التربية أو التساهل في الأخطاء، بل المقصود أن تكون التربية ممزوجة بالرحمة الصادقة والحكمة، كما كان هدي النبي ﷺ؛ فيُوجَّه الطفل ويُعلَّم ويُؤدَّب، لكن دون قسوة أو إهانة أو كثرة توبيخ.
وقد قال ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».
فليكن لكل أبٍ وجدٍّ نصيب من هذه الرحمة النبوية، وليتذكر أن الكلمة الطيبة، والابتسامة، والاحتضان، والإنصات للطفل، والاهتمام بمشاعره؛ قد تبني في قلبه من المحبة والثقة ما لا تبنيه كثرة الأوامر والعتاب.
وأعظم دليل جامع لرحمته بالأطفال هو قول أنس بن مالك رضي الله عنه:
«ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ». رواه مسلم.
وكلمة «العيال» تشمل الأطفال والصغار، وهي شهادة من صحابي خدمه عشر سنوات.
تعامل النبي ﷺ مع الأطفال يدل بوضوح على اهتمامه ببناء الشخصية والثقة والمحبة، مع تعليمهم الآداب والأخلاق والعقيدة والعبادات برفق.
فانظر إلى هذا المثال العظيم مع ابن عباس رضي الله عنهما، وكان غلامًا صغيرًا، حيث قال له النبي ﷺ: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك...». رواه الترمذي وصححه الألباني.
بدأ بقوله: «يا غلام» بأسلوب لطيف يشعره بقيمته، ثم علّمه أعظم أصول العقيدة.
وكذلك مع عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، وكان طفلًا يأكل:
«يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». متفق عليه.
فلم يتركه على خطئه بحجة المحافظة على ثقته بنفسه، ولم يعنفه، بل علّمه الأدب بلطف.
ومن الأمثلة التي تدل على بناء الشخصية واحترام الطفل:
• كان ﷺ يسلّم على الصبيان إذا مر بهم.
• وكان يركب بعض الأطفال خلفه على الدابة.
• وأطال السجود لأجل حفيده عندما ركب على ظهره كما تقدم.
• وكان يكنّي الطفل الصغير فيقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». متفق عليه.
هذه المواقف تغرس في الطفل الشعور بالاحترام والمكانة.
وكان ﷺ يؤسس أولًا علاقة مليئة بالرحمة والمحبة والاحترام، ثم يوجه ويعلم ويؤدب برفق وحكمة.
ولهذا كان أثر توجيهه عظيمًا؛ لأن القلوب كانت قد امتلأت محبةً له وثقةً به قبل الأمر والنهي. وهذا من أعظم الدروس للآباء والمربين.
وما يخفى علينا قصة الشاب الذي قال: «يا رسول الله، ائذن لي بالزنا»، فهي من أجمل الأمثلة على فهم النبي ﷺ لطبيعة النفس البشرية.
لم يبدأ بتوبيخه أو طرده، بل قرّبه إليه وحاوره، فقال له: «أترضاه لأمك؟» ثم لأخته وعمتك وخالتك، حتى اقتنع الشاب بنفسه.
ثم وضع النبي ﷺ يده عليه ودعا له، فخرج الشاب وقد زال ما كان يجده.
التوجيه مطلوب، لكنه يكون أنفع إذا سبقته المودة والثقة.
ولهذا فإن كثيرًا من أهل التربية يقولون: «اكسب قلب ابنك قبل أن تطلب منه السمع والطاعة». وهذا المعنى ظاهر في هدي النبي ﷺ مع الصغار والكبار.
إذن كيف نفهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، وحديث: «كلكم راعٍ»؟ وكيف يطبقها الأب اليوم؟
أصلح نفسك أولًا: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قبل ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾.
والمسؤولية في الحديث هي مسؤولية القيام بالواجب، وليست مسؤولية ضمان النتيجة.
فالمعلم مسؤول عن التعليم، وليس مسؤولًا عن نجاح كل طالب. والطبيب مسؤول عن بذل العلاج الصحيح، وليس مسؤولًا عن شفاء كل مريض. والأب مسؤول عن التربية والتوجيه والقدوة والنصح، وليس مسؤولًا عن أن يصبح كل ولد صالحًا بالضرورة.
ومن هذه الزاوية، فإن تركيزك على الدعاء والمحبة وبناء الشخصية له وجه قوي؛ لأن هذه من أعظم وسائل التربية التي كان الأنبياء يستعملونها.
نسأل الله أن يرزق الآباء والأمهات والأجداد حسن الاقتداء برسول الله ﷺ، وأن يبارك لهم في أبنائهم وأحفادهم، ويجعلهم قرة عين لهم في الدنيا والآخرة.

إرسال تعليق