بقلم: عبدالله بن حمود
في زمنٍ تتسارع فيه العلاقات كما تتسارع الأخبار، وتُقاس فيه المشاعر أحيانًا بسرعة الردود وعدد الكلمات، تظهر ظاهرة هادئة لا يلتفت إليها كثيرون: أشخاص يختارون المسافة… لا هروبًا، بل حفاظًا على أنفسهم.
المسافة هنا ليست جفاءً، ولا تعبيرًا عن ضعف الاهتمام، بل شكل مختلف من أشكال الوعي.
هي تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الاستمرار في القرب، رغم التعب، ليس فضيلة… وأن الانسحاب المؤقت قد يكون أكثر صدقًا من البقاء المُرهق.
هناك فئة من الناس لا تعيش العلاقات بسطحية، بل تغوص في تفاصيلها الدقيقة.
تقرأ النبرة قبل الكلمة، وتفهم الصمت كما تفهم الحديث، وتشعر بما لا يُقال أكثر مما يُقال.
وهذا العمق، رغم جماله، يحمل عبئًا خفيًا… إرهاقًا عاطفيًا لا يظهر للعلن، لكنه يتراكم بصمت.
وحين يصل هذا الإرهاق إلى ذروته، لا يكون الحل بالصوت المرتفع أو المواجهة الحادة،
بل بالصمت… وبخطوة إلى الخلف.
المجتمع، بطبيعته السريعة في إصدار الأحكام، قد يفسر هذا السلوك على أنه تجاهل أو برود.
لكن الحقيقة أن بعض الصمت نضج، وبعض البُعد احترام للذات، وبعض العزلة محاولة لإعادة التوازن الداخلي.
أن تختار المسافة لا يعني أنك لم تعد تهتم،
بل يعني أنك بدأت تهتم بنفسك أيضًا.
في عمق هذه الفكرة، تكمن حاجة إنسانية بسيطة:
أن يجد الإنسان علاقة لا تستنزفه، وقربًا لا يثقل روحه، ومساحة يستطيع أن يكون فيها كما هو… دون ضغط أو تصنّع.
الأشخاص الذين يتقنون هذا النوع من التوازن لا يقطعون العلاقات بسهولة،
لكنهم أيضًا لا يتمسكون بما يؤذيهم.
لا يغلقون الأبواب، لكنهم يتعلمون متى يضعون حدودًا واضحة لما يُسمح له بالدخول.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: لماذا يبتعد البعض؟
بل: لماذا نُصرّ على تفسير المسافة دائمًا كرفض، لا كحاجة؟
ربما لأننا لم نتعلم بعد…
أن بعض الابتعاد، ليس نهاية علاقة،
بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى منها… أو لإنقاذ أنفسنا.

إرسال تعليق