0

 



بقلم : علوان عنبر الثقفي

الحسد شعور إنساني قديم، يولد حين يعجز القلب عن تقبّل نعمةٍ في يد غيره، لكنه يصبح أشد قسوة حين يأتي من الأقارب. فالقريب يُفترض أن يكون سندًا، لا مصدر قلق، وملاذًا لا ساحة مقارنة. وعندما يتسلل الحسد إلى روابط الدم، تتحول المودة إلى توتر، وتبهت العلاقات التي كان يُفترض أن تقوى مع الأيام.

ينشأ الحسد بين الأقارب غالبًا من المقارنات المستمرة: نجاح هذا، أو استقرار ذاك، أو تميز أحد الأبناء دون غيره. ومع تكرار المقارنة، يتراكم الشعور بالنقص، فيتحول إلى ضيق، ثم إلى حسد صامت قد يتجسد في كلمات جارحة، أو تشكيك بالنجاح، أو تقليل من الإنجاز، وأحيانًا في دعاءٍ غائب عنه الإخلاص.

خطورة الحسد بين الأقارب أنه مُقنّع؛ يأتي بثوب النصيحة، أو المزاح، أو الحرص الزائف. وقد لا يُصرّح به، لكنه يظهر في الفرح الناقص عند نجاحك، وفي الحزن الغائب عند تعثرك. وهذا النوع من الحسد مؤلم لأنه يصدر ممن ننتظر منهم الدعاء قبل غيرهم.

كما أن الحسد بين الأقارب لا يؤذي المحسود وحده، بل يدمّر الحاسد من الداخل. فالحسد نار تأكل صاحبها قبل أن تمس غيره، وتحرمه لذة الرضا، وتجعله أسير مراقبة الآخرين بدل بناء نفسه. وفي النهاية، يخسر القربى قبل أن يخسر النعمة.

والتعامل مع الحسد بين الأقارب يحتاج وعيًا وحكمة. ليس كل بُعد قطيعة، ولا كل صمت ضعف. أحيانًا يكون تقليل الاحتكاك حماية، وكتمان النعمة سلامة، واللجوء إلى الله وقاية. فالقلب الذي امتلأ بالثقة بالله لا تهزه نظرات حاسدة، ولا تؤذيه كلمات ناقصة.

ويبقى العلاج الأعمق هو إصلاح القلوب قبل العلاقات، والتذكير بأن الأرزاق مقسومة، وأن نعم الله لا تُنزع من أحد لتعطى لآخر. فإذا فهم الأقارب هذه الحقيقة، عاد القرب رحمة، وعادت الروابط كما أرادها الله: مودة لا منافسة، ودعاء لا غيرة .

إرسال تعليق

 
الى الاعلى