0


بقلم أ : طلال زمزمي 

قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ سورة الأعراف آية 31، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ البقرة آية 168.

ترسم لنا هذه الآيات أهم قواعد الصحة بتنظيم السلوك الغذائي، لأن أخطر شيء على الإنسان هو الإفراط في الطعام. والله عز وجل لم يأمر بالأكل مطلقًا من أي شيء، بل قيّد ذلك في آيات كثيرة بالطيبات، والطيبات تشمل: • ما كان نافعًا في الأصل.

• غير مستقذر.

• غير ضار غالبًا.

• غير محرم.

والآيات كأنها تشير إلينا لنتحمل مسؤولية صحة أجسادنا مسؤولية كاملة، ونأخذ بالأسباب المشروعة، ونعتني بأجسادنا؛ لأن العناية بالجسد عبادة إذا نوى بها الإنسان التقوّي على طاعة الله. والعافية من الله سبحانه وتعالى.

جاء في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ عام الأول، ثم بكى، فقال: «سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية».

بكاء النبي ﷺ في هذا الموقف لأنه كان يذكّر أمته بأمر يغفل عنه كثير من الناس، نعمة العافية. وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة بأمته، يخاف عليهم البلاء والفتن والمرض.

ومن الأحاديث العظيمة في باب الصحة، قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنه، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالةَ، فثُلُثٌ لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابِه، وثُلُثٌ لنَفَسِه» رواه الترمذي.

يبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن أكثر ما يضر الإنسان غالبًا هو امتلاء البطن وكثرة الأكل.

ومن أشهر من عُرف بالطب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم الحارث بن كلدة، وهو من أهل الطائف، ويُلقب بـ«طبيب العرب»، وكان معروفًا بالخبرة في الطب والتغذية والعلاج. ومن أشهر ما نُقل عنه: “المِعدة بيت الداء، والحِمية رأس الدواء”. ومن كلماته المشهورة: “الدواء في قِلّة الطعام”.

والناظر إلى طعامه صلى الله عليه وسلم يرى فيه الاتزان، فضلًا على أنه كله طبيعي وبدون عمليات صناعية ضارة. كان يأكل عند الجوع، ولم يكن ﷺ يأكل على الدوام، ولم يكن كثير الأكل. عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليالٍ تباعًا حتى قُبض». رواه البخاري ومسلم.

وقالت أيضًا: «كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، وما أُوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار». رواه البخاري ومسلم.

وهذا يدل على بساطة عيشه ﷺ وبعده عن الترف والإسراف، مع قدرته أحيانًا على التوسع.

ماذا كان يأكل ﷺ؟

التمر.

اللبن، وهو لبن الإبل أو الغنم التي ترعى في البراري.

العسل.

الخبز المصنوع غالبًا من الشعير.

اللحم.

ومن الأطعمة التي أكلها ﷺ: الثريد، وهو خبز يُفت في المرق مع اللحم.

الخل.

الزيت، وهو زيت الزيتون.

السمن الحيواني أحيانًا، والحيس (تمر وسمن وأقط).

بعض الفواكه المتوفرة.

الاعتماد على الطعام الطبيعي البسيط. وكان ﷺ يكثر من الصيام، والصيام ثابت نفعه شرعًا وواقعًا، وهو عبادة عظيمة.

إن الهدي النبوي في الطعام هو منهج رحمة وحفظ للبدن والنفس من الأمراض بإذن الله. ولهذا كان من الفقه الحقيقي أن يعرف الإنسان ما يدخل جسده، فيأكل بوعي لا بعشوائية، وباعتدال لا بإسراف، فكده غلط أن يأكل الإنسان كل ما يراه أمامه دون تمييز. فما ثبت ضرره على البدن ينبغي اجتنابه أو التقليل منه. والتقليل يكون بجد وعزم صادق، ولو اجتنبه كان هو المطلوب لسلامة الصحة وحفظها.

واليوم من الأطباء المخلصين الناصحين الصادقين من وضّحوا أهمية تجنب بعض الأطعمة الصناعية التي تسبب اضطرابًا داخل الجسم، وتسبب: زيادة الالتهابات الداخلية.

ضعف كفاءة المناعة.

زيادة مقاومة الإنسولين.

تراكم الدهون في الدم والشرايين.

ولهذا نرى هذه الأيام ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ زيادة أمراض لم تكن منتشرة سابقًا مثل السكري وأمراض القلب والسمنة وبعض مشاكل الجهاز الهضمي والجلطات والسرطانات. فالهواء والماء اللذان يدخلان أجسامنا لم يتغيرا، والمتغير الوحيد هو ما يدخل أجسامنا من الطعام، والذي يحتوي كثير منه على: • الإضافات الكيميائية.

• المواد الحافظة.

• المحسنات والنكهات والألوان.

• السكر العالي جدًا.

• الدهون المتحولة (والمتحولة: أي المهدرجة، وهي إدخال غاز الهيدروجين على الزيت مع حرارة ومحفزات كيميائية لتحويله إلى دهون أكثر صلابة).

ومن أمثلة الدهون المتحولة: السمن النباتي. فكل ما يُصنع من السمن النباتي من حلويات وغيره يعتبر ضارًا بالصحة.

ولقد قامت الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية ـ مشكورة ـ بحماية صحة المستهلك ووضع المواصفات والحدود المسموح بها ومراقبة المصانع والاستيراد، وسحب المنتجات المخالفة والتحذير منها، وتطبيق اشتراطات للحد من الدهون المتحولة الصناعية في الأغذية، ومنعت استخدام الزيوت المهدرجة جزئيًا في كثير من المنتجات الغذائية. كما ألزمت بوضع بيانات الدهون المتحولة على البطاقات الغذائية. لكن كما ذكرت سابقًا، كل إنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن صحته، وعليه منع نفسه من كل ضار، فلا تستطيع هيئة الغذاء والدواء أن تدخل كل بيت لتراقب ما يأكل.

ومن الهيئات العالمية التي حذرت من الدهون المتحولة منظمة الصحة العالمية؛ لأن الدهون المتحولة خطر على صحة القلب. ولدى منظمة الصحة العالمية توصيات وإرشادات واضحة جدًا بخصوص الدهون المتحولة والسكريات والأطعمة المكررة والصودا والمشروبات الغازية بأنواعها حتى الدايت، والدقيق الأبيض والكربوهيدرات المكررة (والمكررة: هي قيام المصانع بإزالة الألياف والمعادن والفيتامينات من القمح لأسباب عملية وتقنية وتجارية، ولزيادة مدة الصلاحية).

ومنظمة الصحة العالمية تعتبر هذه الأمور من أسباب الأمراض المزمنة.

والمنظمة تفرّق بين الدهون المتحولة الصناعية وبين الدهون الطبيعية.

فالدهون المتحولة الصناعية توصي بتجنبها تمامًا، أما الدهون الحيوانية الطبيعية فتوصي بالاعتدال في أكلها.

خلاصة القول:

عزيزي القارئ، قد تسمع أحيانًا أقوالًا مختلفة في الغذاء وحتى في الرياضة، لكن في النهاية هي صحتك وجسدك الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن لجسدك عليك حقًّا». فاقتدِ برسولك صلى الله عليه وسلم، وضع سلوكه الغذائي نصب عينيك، ولا يذهب ظنك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يجد الطعام، فوالله لو أراد تحويل الجبال ذهبًا لحصل له ما يريد بإذن الله. ألم يقل عليه الصلاة والسلام: «إن الله يطعمني ويسقيني» عندما نهى الصحابة رضوان الله عليهم عن وصال الصيام مثله؟ وإن كان بعض أهل العلم ذهب إلى أن المقصود أن الله يقويه ويغذيه تغذية خاصة ربانية، وبعضهم قال: هو طعام وشراب حقيقي.

عزيزي القارئ، ضع من أهدافك الجسم السليم، واسعَ لذلك، فستجد معونة من الله لتحقيق ما تريد، بإذن الله تعالى.

والله ولي التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إرسال تعليق

 
الى الاعلى