الكاتب : علوان عنبر الثقفي
من أقدم ما قيل في توصيف الناس مقولة تختصر البشرية كلها:
من يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه، ومن لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك متعلّم فعلّموه، ومن لا يدري ولا يدري أنه لا يدري… فذلك هو المأزق الحقيقي.
الجهل البسيط يمكن علاجه، لأن صاحبه يعترف بنقصه.
أما الجهل المركّب، فهو ذاك النوع الخطير من الجهل الذي يرتدي ثوب المعرفة، ويتحدث بثقة، ويجادل بلا علم، ويُنصّب نفسه مرجعاً، بينما هو في الحقيقة بعيد عنها كل البعد.
أصحاب الجهل المركّب لا يخطئون فقط، بل يرفضون الاعتراف بالخطأ.
لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن الانتصار في النقاش.
يكثرون من المصطلحات، يرفعون الصوت، ويتهمون غيرهم بالقصور، لأنهم في الداخل يخشون انكشاف الفراغ الذي يحملونه.
المشكلة الأكبر ليست في جهلهم، بل في اعتقادهم أن الآخرين لا يدركون حقيقتهم.
يظنون أن الثقة العالية تُخفي الضحالة، وأن التكرار يصنع علماً، وأن الادعاء يغني عن الفهم.
ولا يعلمون أن المعرفة الحقيقية هادئة، وأن العالم لا يصرخ، ولا يستعرض، ولا يخجل من قول: لا أعلم.
*كيف نتعامل مع هذه الفئة؟*
أولاً: لا تدخل معهم معارك إثبات.
فالجدال مع الجهل المركّب استنزاف، لا كسب فيه، لأن الطرف الآخر لا يبحث عن فهم بل عن غلبة.
ثانياً: لا تحاول فضحهم أو إحراجهم.
الجهل المركّب إذا أُحرج تحوّل إلى عناد، وإذا عُنِد أصبح أكثر ضجيجاً.
ثالثاً: ضع حدوداً واضحة.
اسمع دون أن تُسلّم، واحترم دون أن تتنازل عن وعيك، وابتعد حين يتحوّل الحديث إلى دوران في حلقة مفرغة.
وأخيراً: تعلّم منهم درساً مهماً…
أن أعظم مراحل المعرفة هي إدراك حدودها،
وأن قول لا أدري أصدق من ألف كلمة فارغة.
*نصيحة علوان:*
لا تُرهق عقلك في إقناع من أغلقه، ولا تُنزل وعيك لمستوى من يظن الضجيج علماً. اختر معاركك، فليس كل صمت هزيمة، ولا كل ردّ حكمة.

إرسال تعليق