مقدمة:
كثُر في عصرنا من يصف تمسّك الناس بجماعتهم ومجتمعهم، أو التزامهم برأي جمهور الأمة، أو الجماعة القبلية المتعاونة في الخير بأنه "سلوك قطيع"، في محاولة لإضفاء طابعٍ من الضعف أو التبعية على من يختار الالتزام بالمنهج الجماعي الراشد.
وهذا خلطٌ كبير بين الانقياد الأعمى الذي يذمّه الإسلام، وبين الاجتماع على الحق الذي هو من أصول الدين وركائز بقاء الأمة، بل من العادات المحمودة التي أقرها الاسلام والعادات مُحَكِمَة
إنَّ العادات والتقاليد الأصيلة ليست قيودًا على الحرية كما يظن البعض، بل هي ذاكرة الجماعة وضميرها الحي.
إنَّ العادات والتقاليد هي التي تحفظ توازن المجتمع، وتربط الحاضر بالماضي، وتمنح الإنسان هويةً وانتماءً واستقرارًا.
ومن يحاربها باسم “التحرر من القطيع” في الحقيقة يحارب جذور القيم والأعراف التي صنعت هذا التماسك عبر القرون.
إنَّ سلوك القطيع في حقيقته هو الانفلات من تلك الأعراف الراسخة إلى الموجات المتقلبة والمصطلحات الدخيلة، أي أنه تمردٌ بلا وعيٍ، وحريةٌ بلا هوية.
إنَّ الفكر الحديث الذي يُغالي في تمجيد "الفرد المطلق" حتى لو خالف قيم مجتمعه، هو الوجه الآخر لسلوك القطيع، لأن صاحبه لا ينطلق من وعيٍ ذاتي، بل من تبعيةٍ لثقافاتٍ غريبة وشاذة.
أما الجماعة الإسلامية الراشدة، فإنها توازن بين استقلال الفكر ووحدة المبدأ، فهي عقلٌ جماعيٌّ منضبطٌ بالحقّ والفضيلة.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة."
أولاً: الفرق بين "سلوك القطيع" و"سلوك الجماعة"
• سلوك القطيع في أصله الغريزي عند الحيوان قائم على فقدان الإرادة والعقل، بينما سلوك الجماعة في الإسلام قائم على العقل، والمشورة، والبرّ، والتقوى.
• الجماعة ليست قيداً على التفكير، بل هي ضابطٌ يوجّه التفكير نحو الصواب، كما قال تعالى:
"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان")المائدة: 2( فالأمر بالتعاون لا يعني التبعية، بل يعني الوعي الجماعي نحو الخير.
ثانيًا: أدلة شرعية على أن الجماعة ركنُ الصواب
1. قال النبي ﷺ:
"يدُ اللَّهِ مع الجماعَةِ، ومَن شذَّ شذَّ في النارِ" فهنا جعل النبي ﷺ الجماعةَ موطنَ رحمة الله، ومن شذ عنها هلك. وهذا يبيّن أن الانتماء للجماعة عبادة عقلية وشرعية وليست انقياداً أعمى.
فالتعاون قيمة شرعية عليا، لا علاقة لها بسلوك القطيع، بل هي سلوك راشد يدل على النضج والمسؤولية والمروءة.
ولذلك قال النبي ﷺ:"إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق." ففي بعثته ﷺ تأكيدٌ أن التعاون، والإيثار، والرحمة، والتعاضد، ليست ضعفًا أو انقيادًا، بل قمّة الأخلاق الإنسانية، ومن صميم رسالته.
2. وقال ﷺ أيضًا: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"(رواه أحمد(. وهذا يدلّ على أن الجماعة ليست سلوكاً غريزياً، بل سلوكاً نبيلاً يدل على الاتزان والإيمان.
3. وقال تعالى :"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" (آل عمران: 103). فالمسلم إذا اعتصم مع جماعته بحبل الله، لم يكن تابعاً أعمى، بل عضواً راشداً في منظومة الهداية.
ثالثًا: خطأ من يشبّه التماسك الجماعي بسلوك القطيع
من الخطأ تشبيه الثبات على مبادئ الأمة أو الانتماء لهويتها وثوابتها أو الثبات على سلوك العادات القبلية وماشابهها التي هي محكمة من احدى مصادر التحكيم بسلوك القطيع، لأن ذلك تهوين من شأن الوحدة، وتشجيع على التفرّق وتقليل من شأن الوحدة والترابط والتماس وخصوصا إذا الأمر لا ينافي العقيدة والدين ويسعى للتكاتف والحمية المحمودة في الظهور الجميل فرسولنا كان يعتز بنفسه ونسبه حيث قال( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب) صلى الله عليه وسلم .
والتاريخ الإسلامي كله قام على روح الجماعة، من بيعة الخلفاء، إلى نظام الشورى، إلى اجتماع الأمة على الحق.
ولو كان في الاجتماع مذمة، لما قال الله تعالى في مدح عباده:
"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الحجرات: 10).
أما الذي يخالف الجماعة لمجرد الظهور أو التفرد، فهو الذي يشبه القطيع في المعنى الحقيقي؛ لأنه ينقاد لهواه، لا لعقله، ويبتعد عن توازن الأمة واتفاقها.
رابعًا: التوازن بين التفكير الفردي والمصلحة العامة
الإسلام لم يمنع التفكير المستقل، بل جعله شرطاً للإيمان، لكنه قيده بعدم الخروج عن مقاصد الجماعة وأصول الشرع. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه" : لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة." فالفرد العاقل في الجماعة يفكر بعقله، ويعمل بروح الأمة، لا بروح القطيع ولا بروح الأنانية.
خامسًا: الشواهد الأدبية
قال الشاعر الحكيم:
إذا اجتمعوا على رشدٍ رأيتَ نُهى الورى تعلو وإن تفرّقوا هانوا وضاعوا في الدُجى
وقال آخر:
ما ضرّ قومٌ تآخوا واتّحدوا لكنّما الضررُ من فُرقةِ السُّبُلِ
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
كلُّ العداوة قد تُرجى مودّتُها إلاّ عداوةَ من عاداكَ في الدينِ
وفي ذلك إشارة إلى أن العداء للجماعة عداء للدين ذاته.
إنَّ من يصف التمسك بالجماعة في كافة اتجاهاتها وما ورثته من عادات وتقاليد حميدة تدعوا للوحدة والتماسك والظهور الحسن وحب المنفعة والموقف الحسن ومساعدة الناس واشعار الاخرين بتماسك المجتمع وترابطه ووحدته والتنافسية في المعالي فهي شرف مروم - بأنه "سلوك القطيع" يُسقِط مفهوماً عظيماً من مفاهيم الدين ومفاهيم الفكر الجمعي الأصيل وروح الجماعة الواحدة.
فالجماعة في الإسلام ليست تبعية، بل هي تحالف عقلٍ ووحيٍ وعدلٍ، تحفظ الأمة من الفتن والانقسام، وتجمع قواها على البر والتقوى.
أما من يهرب من الجماعة بدعوى "التحرر الفكري"، فهو الشاذّ عن المنهج الذي حذّر منه النبي ﷺ.
قال أحد الحكماء: " من ظنّ أن نجاته في العزلة عن الجماعة، فقد اختار التيه عن الطريق المستقيم."
خاتمة القول
إنّ وصف التماسك المجتمعي والإيمان بالمبدأ الجماعي بأنه «سلوك قطيع» هو تسطيحٌ فكري وتشويهٌ لمفهوم الجماعة الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية. وقامت عليه الجماعات التي كانت نواة لاتحاد المجتمع الإسلامي التكاملي الناضج فكريا.
فالجماعة ليست خصمًا للعقل، بل هي العقل الجمعي الذي يقي من الانحراف والشتات.
إنّ وصف التمسك بالمبادئ، والعادات، وتماسك الجماعة بأنه «سلوك قطيع» هو ظلمٌ معرفي وتشويهٌ ثقافي.
فالجماعة في حقيقتها ليست انقياداً، بل اتّحادٌ على الحقّ والعقل والقيم، والعادات الأصيلة ليست تخلفاً، بل حكمةُ أجيالٍ تراكمت في ضمير الأمة.
بقلم:
عبدالله الحصين الثقفي
مدير عام مؤسسة عبدالله الثقفي العلمية للدراسات والبحوث

إرسال تعليق